مالي بين الانقلابات العسكرية والحرب ضد الإرهاب

مادي إبراهيم كانتي

مادي إبراهيم كانتي

كانت مالي جزءًا من ثلاث إمبراطوريات أفريقية عظيمة (في غرب أفريقيا) كانت تسيطر على التجارة عبر الصحراء، وهي إمبراطوريات غانا ومالي وسونغاي. وقد غيرت الدولة اسمها من “السودان الفرنسي” إلى مالي مرة أخرى بعد استقلالها من الكولونيالية الفرنسية عام 1960.

وإذا كانت مالي – كغيرها من دول أفريقية كثيرة – لا تزال تعاني من مخلفات الكولونيالية, فإن تاريخها السياسي المعاصر أيضا يثبت أن البلاد لم تكن غريبة عن الانقلابات العسكرية وصراع الهيمنة على السلطة التي أثّرت بشكل مباشر وغير مباشر في أوضاع البلاد – سواء في الشمال والوسط أو المناطق الجنوبية والغربية التي تعاني من انعدام الأمن وأنشطة هجمات إرهابية.

 مالي وتجاربها في الانقلاب العسكري

خضعت مالي بعد الاستقلال لنظام اشتراكي بقيادة “موديبو كيتا” – أول رئيس للبلاد. ولكن “موسى تراوري” أطاح بنظام “موديبو كيتا” في انقلاب 19 نوفمبر 1968 وشكّل الجيش لجنة عسكرية للتحرير الوطني (CMLN). وحجة العسكر في ذلك الانقلاب أن السجل الاقتصادي ضعيف وأن السكان بحاجة إلى التحرير من النظام الاشتراكي – رغم جهد الرئيس “كيتا” الجبار في مالي.

أما قائد الانقلاب “موسى تراوري”، فقد حكم مالي لأكثر من 22 عامًا، حيث جمع بين مهام رئيس اللجنة العسكرية للتحرير الوطني ورئيس الدولة والحكومة. وكان الشعب المالي يأمل في هذه الفترة نموا اقتصاديا وتغييرات جذرية اجتماعية لم تتحقق. ونتيجة لسوء الإدارة العامة شهدت مالي انتفاضات شعبية ضد النظام العسكري لـ “موسى تراوري” في 26 مارس 1991، ووقع انقلابها العسكري الثاني حيث قررت مجموعة عسكرية – بقيادة “أمادو توماني توري” – الإطاحةَ بالجنرال “موسى تراوي”.

وبنهاية فترة الانتقال الديمقراطي التي أسسها “أمادو توماني توري”، وصل “ألفا عمر كوناري” إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع ويعدّ حتى الآن الرئيس المنتخب الوحيد الذي أنهى فترتي رئاسته دون انقلاب عسكري في مالي. وبعد “كوناري” دخل “أمادو توماني توري” (قائد انقلاب عام 1991 الملقب أيضا بجندي الديمقراطية) عالم السياسة كمدني وفاز برئاسيات عام 2002, ولكنه أطيح به عن السلطة في مارس 2012 من قبل شخص يُدعى “أمادو هايا سانوغو”.

من ناحية أخرى؛ أصبح شبه المتفق عليه لدى الرأي العام في مالي أنه ما على الجندي – الذي يريد الصعود إلى رتب عسكرية في وقت قصير دون أن يمر بإنجازات عسكرية – سوى محاولة الانقلاب الذي يُضمَن نجاحه بنسبة 97.5 في المئة لوجود تعاون بين النقباء والقادة العسكريين. وعلى سبيل المثال: قاد “موسى تراوري” انقلابه برتبة عقيد، ثم انتهى به الحال السياسي إلى رتبة جنرال؛ وكان “أمادو توماني توري” ملازمًا عند انقلاب عام 1991 وليتقاعد أيضا كجنرال. وقد صار الكابتن “أمادو هايا سانوغو” جنرالًا من فئة الخمس نجوم بعد عامٍ واحدٍ فقط من إطاحته بنظام “أمادو توماني توري” في عام 2012.

يضاف إلى ما سبق أنه عقب انقلاب 2012 فرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الايكواس) عقوبات اقتصادية على مالي, ما أدى إلى تنازل “أمادو هايا سانوغو” عن السلطة وتولّى البروفيسور “ديونكوندا تراوري” رئاسة البلاد بصفة مؤقتة حتى انتخابات 2013 التي انتُخِب فيها “إبراهيم بوبكر كيتا” رئيسًا لمالي بنسبة 77.61 في المئة من الأصوات، ليشهد هذا الأخير أيضا انقلابا عسكريا في أغسطس 2020 من قبل نادٍ من العقيد تحت قيادة “أسيمي غويتا” – الرجل القوي في مالي منذ أواخر عام 2020.

بين الحرب على الإرهاب والانقلاب العسكري

في 5 يونيو 2020، شهدت العاصمة المالية “باماكو” مسيرة احتجاجية كبيرة للمطالبة برحيل الرئيس “إبراهيم بوبكر كيتا”. وكانت هذه المظاهرات الشعبية بمثابة فرصة لمجموعة من الضباط بقيادة “أسيمي غويتا” للإطاحة بنظام “إبراهيم بوبكر كيتا” في 18 أغسطس 2020. وقد رحب الشعب المالي بالانقلاب لأسباب كثيرة, أهمها انسداد الأفق السياسية وقتذاك واعتبار الانقلاب تكملة لمطالبهم. وقد تم تشكيل الجهاز الانتقالي بمؤسساته المختلفة بعد مشاورات بين الجيش (اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب – CNSP) والقوى السياسية والمجتمع المدني؛ فاخْتِير السيد “باه إنداو” (عقيد متقاعد) رئيسا للفترة الانتقالية. وحاول المجلس العسكري (CNSP) تشديد قبضتها وسيطرتها على الوضع بتعيين قائد الانقلاب العقيد “أسيمي غويتا” نائبا لرئيس المرحلة الانتقالية.

وإذا حاولت السلطة الانتقالية خلال الأشهر الماضية إحداث إصلاح للأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية وغيرها, فإن الأوضاع أصبحت أسوأ من ذي قبل؛ فمعظم أجزاء البلاد تعاني انعدام الأمن, حيث لاحظ الباحث (كاتب هذا المقال) أثناء تفقّده الميداني الأخير أن عدة مناطق في البلاد تخضع لسيطرة الجماعات المسلحة على مختلف أنشطتها (الإرهاب والتمرّد والإجرام).

ويبدو أيضا أن جبهة مكافحة الجماعات الإرهابية لم تعد مهمة لقائد الانقلاب “غويتا” الذي برّر – هو ومجموعته العسكرية – انقلاب أوغسطس 2020 بأنه كان لسوء الإدارة الأمنية لنظام “كيتا”, ليصبحوا هم أنفسهم بعد الانقلاب منخرطين في الصراع على المناصب القيادية والمقاعد الوزارية في بماكو في ظل انتشار انعدام الأمن. بل كانت الحكومة الانتقالية حكومة سياسية حاولت تقليد النظام السابق (نظام كيتا) من حيث اختيار القرائب والأصدقاء للمناصب القيادية دون اعتبار للكفاءة والقدرة اللتين يُفترَض أن تكونا أساس حكومة انتقالية.

وقد تسارعت الأمور في الأسابيع الماضية, خاصة عندما قرر الرئيس الانتقالي “باه إنداو” حل الحكومة وطلب من رئيس الوزراء “مختار وان” تشكيل حكومة جديدة – قيل إن الهدف وراءه هو لإزالة مدبري انقلاب عام 2020. وفي مساء يوم الاثنين 24 مايو 2021 – أي بعد إعلان الحكومة الجديدة التي استُبدِل فيها بعض عناصر الانقلابين – قرر نائب الرئيس العقيد “غويتا” – الذي لم يستطع ابتلاع التشكيل الجديد – اعتقالَ رئيس المرحلة الانتقالية “باه إنداو” ورئيس وزرائه “مختار وان” ووزير الدفاع “اللواء سليمان دوكوري”, ونَقَلَهم إلى ثكنة الجيش في “كاتي” – الثكنة التي تبعد 15 كيلومترا عن العاصمة “بماكو”.

وهكذا انتهى الاعتقال بانقلاب عسكري آخر؛ فأصبح نائب الرئيس العقيد “غويتا” الرجل القوي الوحيد في مالي حاليا, وذلك بعدما جرّد كُلًّا من الرئيس ورئيس الوزراء من وظيفتهما, ليعلن نفسه رئيسا يتولي المرحلة الانتقالية منذ مايو 2021. وقد حدث كل هذا رغم وساطة الايكواس التي يبدو أنها خسرت معركة التفاوض مُقدّما.

ختاماً، يمكن القول بأن القادة الماليين لم يكونوا – منذ الاستقلال إلى اليوم – قادرين على إرساء حوكمة ملائمة وفعالة. ويمكن ملاحظة النفوذ الفرنسي في الأزمة الحالية بالنظر إلى مستوى الحشد الدولي خلف فرنسا لإدانة انقلاب أغسطس 2020، ليضطر المجلس العسكري على موافقة مقترحات المجتمع الدولي والايكواس. وعلى النقيض من ذلك يُلاحظ في تشاد أن فرنسا والمجتمع الدولي رحّبا بالمجلس العسكري التشادي وقدموا له دعمًا حارًا. وهذا يعني أن العقيد “غويتا” في مالي قد يشعر بانحياز ضده من قبل المجتمع الدولي وفرنسا التي تقدم نفسها كـ “مدافع حقيقي” عن الديمقراطية في مستعمراتها السابقة. وقد يحصل “غويتا” أيضا على الدعم الفرنسي في حال نجاحه في المراوغة أو تمثيله للمصالح الفرنسية.

أما السيناريوهات المستقبلية للوضع الحالي في مالي، فقد اتفق الرئيس الجديد للبلاد – العقيد “غويتا” – وزملاؤه في المجلس العسكري مع حركة 5 يونيو (M5 RFP) على أن يكون رئيس الوزراء الجديد من الحركة. وعليه, قد يتم إقصاء الأطراف السياسية والدينية وأفراد المجتمع المدني التي وقفت ضد انقلاب مايو 2021 من الحكومة الجديدة القادمة.

Leave a comment