قصة حياة “أولوداه إيكيوانو” كما جاءت في كتابه

حكيم ألادي نجم الدين

حكيم ألادي نجم الدين

كان “أولوداه إيكيوانو” (Olaudah Equiano) بحارا وكاتبًا اختطَفه المسترِقّون من منطقة واقعة بجنوب نيحيريا اليوم, ونُقِل إلى منطقة البحر الكاريبي حيث بِيْعَ لضابط في البحرية الملكية (إن صح إطلاق صفة البيع والشراء لمثل هذه الممارسة). واشترى “حريته” في عام 1766م, ليكون عنصرا بارزا في الحركة البريطانية التي ناضلت من أجل إلغاء ما يسمى “تجارة الرقيق”, وذلك بعدما نشر كتابه عن تجاربه كرقيق وانتهاكات المسترِقّين والغزاة تجاه المختطفين.

“لقد رأيت رقيقا ضُرِب حتى تحطّمت بعض عظامه لمجرد أنه ترك إناءً يغلي على النار. رأيت في كثير من الأحيان أرقَّاء […] يوضعون في موازين فيوزنون؛ ثم يباعون من ثلاثة بنسات إلى ستة بنسات أو تسعة بنسات إلى الجنيه…”

– من مذكرات “أولوداه إيكيوانو”

اختطافأولوداه”

وُلد “أولوداه إيكيوانو” في حوالي عام 1745م في جنوب شرق نيجيريا, وتحديدا في قرية “إيسّاكا” داخل أراضي قبائل الإيبو (Ibo) أو “إِبَوْاي” (Eboe). وكان الابن الأصغر في عائلة مكونة من ستة أبناء وابنة واحدة. واختُطِف من القرية هو وأخته عندما كان عمره 11 عامًا.

وعن اختطافه يقول “أولوداه” في كتابه:

“في أحد الأيام، عندما خرج جميع أفراد شعبنا إلى أعمالهم اليومية كالمعتاد، ولم يبْقَ سِوَايَ أنا وأختي العزيزة للاعتناء بالمنزل، تخطى رجلان وامرأة جدراننا … واستولوا علينا. انفصلنا أنا وأختي (عن شعبنا) وانتهى بِيَ الأمر في أيدي تاجر رقيق كان يزوّد السفن الأطلسي (بالرقيق). وهكذا وجدتُ نفسي بعد ستة أشهر على متن سفينة رقيق.”

نُقِل “أولوداه إيكيوانو” عبر ما سمّاه “الممر الأوسط” للمحيط الأطلسي (من المرجح أن يكون عبر دولة أفريقية وتقريبًا دولة غانا الحديثة), و بِيْعَ لمُزارع في فيرجينيا, ثم اشتراه “باسكال” ا- لضابط في البحرية البريطانية – كـ “هدية” لابن عمه في لندن.

وعن اسمه الأصلي يقول “أولوداه”:

“لقد سُمِّيْتُ بـ أولوداه، والذي يعني في لغتنا (الإيبو) تقلّبًا (في رغد الحياة) أو ثروة، ويعني أيضا شخصا مُفضَّلا، وصاحب صوت عالٍ وحسن الكلام.”

ولكن, كعادة البائعين الأروربيين ممارسي “تجارة الرقيق”؛ طمس “باسكال” اسم “أولوداه” الأصلي (أولوداه إيكيوانو), وأطلق عليه اسما آخر غير أفريقي “غوستافوس فاسا” (Gustavus Vassa). وبهذا الاسم الأخير اشتهر “أولوداه” ويُذكر في كتابات أوروبية كثيرة.

ويفيد كتاب “أولوداه” بأنه بِيْع لثلاثة أشخاص مختلفة (على الأقل), وأنه توقّع من أحد بائعيه أن يلتزم بالعقد القائم بينهما والمتثّل في إطلاق سراحه من الاسترقاق بعد ست سنوات من الخدمة، وبدلاً من ذلك باعه هذا الشخص لتاجرٍ من غرب الهند والذي بدوره باعه لتاجر آخر باسم “روبرت كينغ” في فيلادلفيا. وهكذا مكث ” أولوداه” عشر سنوات تحت الاسترقاق.

وقد تمكّن “أولوداه” من استعادة حُريته بعدما سمح له الشخص الأخير في مونتسيرات بشراء حريته بنفسه مقابل 40 جنيهًا إسترلينيًا – وهو مبلغ ساوي راتب عامٍ للمعلّم وقتذاك – جمعه “إيكيوانو” بعد ثلاث سنوات من الأعمال والتجارات الجانبية.

“أولوداه إيكيوانو” بعد التحرّر

عمِل “أولوداه” بعد تحرّره من الاسترقاق بحّارا وتاجرا لمدة 20 عامًا جاب جميع قارة أمريكا الشمالية؛ تنصّر في انجلترا في عام 1759م واستقرّ بها في عام 1768م كما مارس مهنته البحرية كعضو طاقم السفينة ومساعد القبطان.

في عام 1773م, سافر “أولوداه” على متن سفينة البحرية الملكية (HMS Racehorse) إلى القطب الشمالي في رحلة لإيجاد طريق شمالي شرقي مؤدٍّ إلى الهند, وعمل أثناء الرحلة مع طبيب السفينة “تشارلز إيرفينغ” الذي طوّر عملية لتقطير مياه البحر. وفي نوفمبر عام 1775 وُظّف “أولوداه” من قبل “إيرفينغ” و “ألكسندر بلير” كمشرف على مخططهما لمشروع “مزرعة نموذجية” لإنتاج القطن وزيت الخروع (لاستخدامه في تصنيع الصابون) على شاطئ “موسكيتو” الذي سيطرت عليها بريطانيا في الساحل الشرقي لـ “نيكاراغوا” الحالية.

أما عن أسباب تعيين “أولوداه” لمشروع “المزرعة النموذجية”؛ فقد كان لطلاقته في لغة قبائل الإيبو, حيث كان المشروع يسعى إلى تجنيد الأرقاء الذين فهِموا هذه اللغة لتسهل عملية التواصل معهم وإدارة المزرعة, كما أن “أولوداه” كان يرافق “إيرفينغ” إلى جامايكا لتجنيد رجال ونساء (من الإيبو) من مجموعة أرقّاء جدد من غرب أفريقيا.

يُضاف إلى ما سبق أن “أولوداه” كان يعتقد أن خطة مشروع “المزرعة النموذجية” كانت تهدف إلى إنشاء مزرعة للأرقاء من أفريقيا وفق ظروف عمل محسّنة مع فرصة للتحرر في النهاية. وقد فشل المشروع لغزارة الأمطار في المنطقة, فغادر “إيكيوانو” شاطئ “موسكيتو” في يونيو 1776 ليعمل على سفينةٍ سافرتْ عبر ساحل أمريكا الوسطى بحثًا عن أخشاب الماهوجني. وفي 7 يناير 1777 وصل إلى بليموث في إنجلترا.

يضاف إلى ما سبق أن “أولوداه” ذكر في مذكراته أن ظروف شاطئ “موسكيتو” تغيّرت إلى الأسوأ بعد مغادرته، وقاوم الأرقاء من أفريقيا مسترِقّيهم وحاولت مجموعات أخرى منهم الفرار, وغرق مجموعة أرقاء الإيبو وهم يحاولون الهرب من الاسترقاق.

وقد ندم “أولوداه” على مغادرته للشاطئ, وشعِر بمسؤولية حادثة وفاة الأرقاء، مما دفعه نحو الانخراط في قضية إلغاء الرقّ و “تجارته”.

حملته لإيقاف “تجارة الرقيق”

استقر “أولوداه” في لندن حيث انخرط في حركة إلغاء الرق؛ أبلغ منذ عام 1783م نشطاء حملة إلغاء “تجارة الرقيق” – مثل “جرانفيل شارب” – عن تفاصيل هذه الممارسة اللاإنسانية وأخبرهم بتجاربه الشخصية وما شهدها في رحلاته المختلفة. وقويتْ صداقته مع بعض أعضاء جمعية إلغاء “تجارة الرقيق” التي تأسست في عام 1787م.

“كنت أعتقد حتى هذه اللحظة أن العبودية مروعة فقط؛ لكنّ حالة الزنجي الحر بدتْ لي الآن .. (أنها) في بعض النواحي أسوأ، لأنهم (الزنوج) يعيشون في قلق دائم على حريتهم؛ وحتى هذا ليس سوى صوريّ فقط. فهم يتعرضون للإهانة والنهب في جميع أنحاء العالم دون إمكانية الإنصاف؛ لأن هذه (الإهانة والنهب) هي الإنصاف في قوانين الهند الغربية، حيث لن يُقبَل أي دليل من الزنجي الحر في مَحاكِمهم القضائية”.

– من مذكرات “أولوداه إيكيوانو”

وقد كان “أولوداه” أوّل من أخبر “شارب” عن المذابح والمجازر التي تعرّض لها الأرقاء من أفريقيا, وعلى رأسها مذبحة سفينة “زُونغ” التي وقعت في عام 1781م عندما أخطأت السفينة وجهتها في منطقة البحر الكاريبي واضطرّت لقضاء ثلاثة أسابيع إضافية في البحر؛ فألقى طاقم السفينة حوالي 131 رقيقًا في البحر بدعوى أن السفينة حملت أكثر من طاقتها وأن المياه الصالحة للشرب المتوفرة داخل السفينة غير كافية, وأن المرض منتشر بين الأرقّاء وطاقم السفينة – مع أن الحقيقة أن طاقم السفينة أغرقوا هؤلاء الأرقاء لأنه – في حال موت الأرقاء على متن السفينة – لن يتمكن الطاقم ومالك السفينة من طلب أموال التأمين على “الشحنة المفقودة”.

ومما يؤكد سوء أوضاع المسترَقين من أفريقيا أن طاقم سفينة “زونغ” حُوكِمُوا في عام 1783م على أساس اعتبار القضية “نزاع تأمين” وليست محاكمة قتلٍ أو مجزرة. وقد أعطتْ رواية “أولوداه” للحدث دفعة قوية لحركة إلغاء “تجارة الرقيق” وعاملا رئيسيًا في انتشارها وانضمام الكثيرين إليها.

“أولوداه إيكيوانو” وكتابة مذكراته

شجّع أصدقاء “أولوداه” ودعاة إلغاء “تجارة الرقيق” في بريطانيا على كتابة مذكراته لنشر الوعي عما يعانيه المسترَقّون تحت ظروف فظيعة, حيث اعتبروا رواياته شهادة مقنعة ضد الاسترقاق وجرائمه؛ فتلقّى “أولوداه” دعمًا ماليًّا لهذا الجهد من قبل المحسنين في الحركة والمتبرعين من الكنائس, بينما روّج شخصيات مختلفة لمحاضراته وتحضيراته للكتاب.

وفي عام 1789م – أي عندما كان عُمر “أولوداه” 44 عاما، نشر سيرته الذاتية بعنوان “The Interesting Narrative of the Life of Olaudah Equiano, or Gustavus Vassa, the African. Written by Himself”.

ويشمل الكتاب تفاصيل حياة “أولوداه” من الطفولة وإبحاره وأعماله الدينية ونجاحه الاقتصادي؛ فكان واحدا من أوائل الكتابات في أوروبا لشخص من أصل أفريقي, وواحدا من الأعمال الأوائل التي كتبها “رقيق” سابق باللغة الإنجليزية, وأول سيرة ذاتية في أوروبا كتبها “رقيق” سابق من أصل أفريقي بنفسه دون مساعدة أو توجيه كُتّاب “بيض” – كما كان معتادا قبله.

وإذا كانت تجربة “أولوداه” تحت الاسترقاق مختلفة عن تجارب معظم الأرقاء الباقين – لأنه لم يشارك في العمل الميداني المزرعي, حيث بدلا من ذلك خدم “أسياده” كمساعدهم الشخصي, وعمل في البحر وتعلم القراءة والكتابة، ومارس التجارة. ومع ذلك, كان كتابه نموذجًا لنوع أدبي جديد وقتذاك معروف بـ “سرديات الرقيق”.

وقد صُنِّف كتاب “أولوداه” أيضا على أنه أكثر أعمال النثر الإنجليزية تأثيرًا من قبل أمريكي من أصل أفريقي. ورأى باحثون أن الكتاب – كغيره من كتابات “السود” القدماء ورسائل المسترَقِّين من قارة أفريقيا – ينفي مزاعم الأوروبيين حول ذكاء “السود”, لأن مذكراته أثْبَتَتْ قدرات “السود” الكتابية على تمثيل أنفسهم والتعبير عن حالاتهم بتفصيل دون مساعدة “البيض”.

الردّ على الشبهات في أصل “إيكيوانو” الأفريقي

أثارت قصة اختطاف “أولوداه إيكيوانو” وانتمائه لقبائل الإيبو في نيجيريا شبهات لدى كُتّاب أوروبيين منذ نشر نسخة معدّلة من مذكراته في عام 1967م؛ إذ ادّعى المشككون أن “أولوداه” تلقى رواياته عن موطنه الأصلي من أرقاء آخرين قدموا من غرب أفريقيا والتقى بهم فترات بلوغه. واستدلّ بعضهم بأن امبراطورية بنين – التي ذكر “أولوداه” أنها تبعد مسافة كبيرة عن قريته – ليست دولة لقبائل الإيبو, وإنما هي دولة لشعب إيدو (Edo).

ففي وجهة نظر “فنسنت كاريتا” – وأمثاله من الذين كتبوا سيرة “أولوداه” الذاتية من وجهة نظر أوروبية؛ فإن “أولوداه” من مواليد “ساوث كارولينا” الأمريكية – وليس أفريقيا، وذلك لأن سجلَّي تعميده ولفائف الحشد البحري يوثقانه من “ساوث كارولينا” باسم “غوستافوس فاسا”, وهو ما رجّح “اختلاقه” لرواية أصوله الأفريقية – حسب زعمهم.

على أن باحثين آخرين قد انتقدوا موقف “فنسنت كاريتا” وغيره, ولاحظ كل من “بول لوفيجوي” و “ألكسندر بيرد” و “دوجلاس تشامبرز” في دراساتهم أنّ بناء “فنسنت” شكوكه على سجلّين فقط يفقده الحيادية والمصداقية, نظرا لقلّة المصادر المحددة وندرة التفاصيل والوثائق العامة التي تتعلق بـ “تجارة الرقيق” في منتصف القرن الثامن عشر. وخلصوا إلى أن الدلائل الظرفية تشير إلى أن “أولوداه” وُلِد بالفعل في قرية “إيسّاكا” النيجيرية، حيث كان سرده دقيقا بشكل معقول في تفاصيله, بما في ذلك رحلاته من إفريقيا إلى فيرجينيا وعمليات بيعه وغيرها, مما يجعل عمله أقرب إلى الحقيقة وملائما كسيرة ذاتية. وبالتالي يجب أن يخضع عمل “أولوداه” لنفس الانتقادات الانتقائية التي تميّز أعمال السيرة الذاتية – بدلا من وصفه عملا خياليًّا.

من جانب آخر, تؤكّد مراجعة المحطات التاريخية التي مرّت بها امبراطورية بنين في جنوب نيجيريا في القرنين السادس عشر والسابع عشر صحة رواية “إيكيوانو” لأصله؛ إذ امتدّت الامبراطورية في هذه الفترة من “أونتشا”, وهي من أراضي الإيبو في شرق نيجيريا, مرورا بالمنطقة الحرجية في غرب نيجيريا وإلى جمهورية بنين الحالية. كما أن التجارة بين امبراطورية بنين والأوروبيين تطورت لتشمل البضائع والبنادق الأوروبية مقابل المنتجات الاستوائية والأرقاء الذين اشتراهم الأوروبيون من أماكن أخرى في غرب إفريقيا أو الأطفال والأشخاص المختطفين من قرى مجاورة ليُعاد بيع بعضهم إلى المنطقة التي يعرف اليوم بدولة غانا. ولذا يُرجّح أن يكون “أولوداه” مختطفا في هذه الفترة.

وصف أفريقيا في كتاب “أولوداه إيكيوانو”

رغم اختطاف “أولوداه إيكيوانو” من قريته منذ مرحلة الطفولة الوسطى، ورغم الشكوك المثارة حول موطنه الأصلي؛ أثبت باحثون ومؤرخون نيجيريون من قبائل الإيبو التي ينتمي إليها “أولوداه” في أوراق مختلفة صحة روايته, وأكّدوا موافقة ذكريات طفولته في قرية “إيسّاكا” لعادات وثقافات الإيبو في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

وفي حدّ تعبير الباحث النيجيري “فَرَايْدَيْ أونيَيْأَوْزيري”:

“إذا كان الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و 4 و 5 سنوات قادرين على تذكّر الأشياء التي رأوها أو سمعوها أو فكروا بها سابقًا، أتساءل لماذا يشك منتقدو إيكيوانو في ذكراه عن طفولته وأرضه الأصلية في سن الحادية عشرة؟ قبل القرن العشرين وحتى الآن، كان الأطفال في القرى النائية جدًا في نيجيريا وفي معظم دول العالم قادرين على الطهي والزراعة والصيد والقيام ببعض المهمات الصعبة في سن صغيرة جدًا دون إشراف (أولياء الأمور). كما يشاركون في الرقصات والتنكّر وطقوس القرية الأخرى. لذلك لا ينبغي أن يكون هناك أي شك في أن قدرة إيكيوانو لتذكر معظم ثقافة وعادات وتقاليد شعبه عندما بلغ من العمر 44 عاما، وهو الوقت الذي افتُرِض أنه كتب فيه رواياته (والوقت الذي كانت ذاكرته في ذروتها).”

جدير بالذكر أن “أولوداه” ذكر في مذكراته أنه التقى بأخته مرة أخرى بعد اختطافهما، غير أنه فُصل بينهما عمدا، فكان آخر اتصال له مع أي فرد من عائلته. وقد ذكر أيضا في مذكراته عمّه الذي كان زعيما لأسرته.

من جانب آخر, لم يمنع اعتناق “أولوداه” للنصرانية من ذكر محاسن شعبه وإبراز الجوانب والصور الإيجابية للمجتمعات الأفريقية, حيث حكى في مذكراته عن بساطة أخلاق الإيبو وعدالة قِيَمهم, مُذكِّرًا بأنه كان يرتدي في ضغره زيّا تقليديا للإيبو “أعظم المحاربين”.

بل وأكّد “أولوداه” ما لا يريد مؤرخون غربيون الاعتراف به, خاصة فيما يتعلق بوجود حضارة أفريقية وتطوّر مجتمعاتها القديمة؛ إذ تحدّث عن تطوّر امبراطورية بنين وقوّتها وتناغم مجتمعاتها – وبَقِيت معظمها على هذه الحالة حتى 1897م عندما غزاها البريطانيون وأحرقوا مدنها وسرقوا كنوزها.

وبالنسبة لـ “أولوداه”، فإن أفريقيا ليست جاهلة أو عايشة في “العصور المظلمة” ولا متخلفة اجتماعياً؛ بل هي قارة تميّزت بعالَمها من الحكم الأخلاقي في وجه العالم القاسي والحكم الغربي المتغطرس. ولذلك يمكن إحساس مرارة “أولوداه” في كتاباته وتفانيه في التغيير الاجتماعي من خلال التعبير عن غضبه الأخلاقي ضد الاسترقاق.

نشاطاته في المجتمعات الأفريقية بلندن

جمع “أولوداه إيكيوانو” عائدات كبيرة من كتابه الذي مرّ بتسع طبعات في حياته وأصبح بحلول عام 1792م من أكثر الكتب مبيعًا, حيث نُشر أيضا في روسيا وألمانيا وهولندا والولايات المتحدة الأمريكية.

وواصل “إيكيوانو” نشاطه في مجتمعات ذوي الأصول الأفريقية في انجلترا؛ في عام 1783م، أي بعد استقلال الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي 7 سنوات، انخرط في لندن في جهود مساعدة الفقراء من أصول أفريقية وخاصة أولئك الأرقاء الذين أطلقت بريطانيا سراحهم أثناء وبعد الثورة الأمريكية. وفي نوفمبر 1786م عُيِّن مفوضًا للأحكام والمتاجر الخاصة بالفقراء من أصول أفريقية المتجهين إلى سيراليون, ولكنه طُرد من المنصب لاحتجاجه على سوء الإدارة المالية.

وقد عاد “أولوداه” إلى لندن حيث كان فيها شخصية بارزة ومتحدثًا عن أوضاع مجتمعات “السود”, كما كان أحد الأعضاء القياديين في مجموعة “أبناء أفريقيا” التي تألّفت من أفارقة “أحرار” في لندن وتحالفت مع جمعية إلغاء “تجارة الرقيق”. وكان مُعلّقا في مختلف الصحف وكاتبا سخّر صوته لخدمة قضايا “السود” ومنتقدا لمقالات آخرين – مثل ردّه على “جيمس توبين” في عام 1788م. إضافة إلى كونه عضوًا نشطًا في حملة توسيع نطاق التصويت ليشمل العمال في لندن.

زواجه ووفاته

تزوج “أولوداه إيكيوانو” في عام 1792م من امرأة بريطانية تُدعى “سوزانا كولين” في سوهام بـ كمبريدجشير. وكانت لهما ابنتان “آنا ماري” و “جوانا”. وقد تُوفيت زوجته في فبراير 1796م عن عمر يناهز 34 عامًا، ولحق بها “أولوداه” بعد عام عن عمر يناهز 52 عاما في يوم 31 مارس 1797م, بينما توفيت الابنة الكبرى “آنا ماري” بعد وقت قصير من وفاة والدها.

ويعني ما سبق أن ممارسة “تجارة الرقيق” لم تتوقف في بريطانيا إلا بعد ما يقرب من عقد (1807م) من وفاة “أولوداه”, وأنه مرّ أربعون عاما قبل إلغاء “تجارة الرقيق” في المستعمرات البريطانية.

وأفادت السجلات العامة في بريطانيا أيضا بأن “أولوداه” انتقل في أيامه الأخيرة إلى شارع وايتفيلد بالقرب من طريق توتنهام كورت, وأنه عند وفاته كان يعيش في شارع بادينجتون في وستمنستر. وقد تناقلت الصحف البريطانية والأمريكية خبر وفاته ودفن في 6 أبريل في تابرناكول في بـ وايتفيلد.

ونصّت وصيّة “أولوداه” على أنه في حالة وفاة ابنتَيْه قبل بلوغ سن الرشد (21 عامًا آنذاك)، فإنه يمنح نصف ثروته لشركة سيراليون لمواصلة مساعدة أبناء غرب إفريقيا، ونصفها الآخر لجمعية لندن التنصيرية. وأشارت الوضية أيضا أن ابنته الصغرى “جوانا” ورثت عندما بلغت 21 عامًا ساعة فضية و 950 جنيه إسترليني (ما يعادل 73,300 جنيه إسترليني في عام 2019) من تركته, وتزوجت قسًّا أبرشانيا يدعى “هنري بروملي”.

ــــــــــــــــــ

مراجع

*نشر الكاتب أجزاء من المقال أيضا في دورية قراءات إفريقيا.

Alexander X. Byrd.(2006). “Eboe, Country, Nation, and Gustavus Vassa’s Interesting Narrative” Archived 5 November 2016 at the Wayback Machine, William and Mary Quarterly 63(1), 123–148

 Carretta, Vincent (2005). Equiano, the African: Biography of a Self-Made Man. University of Georgia Press. p. xv

Douglas Chamber.(2007). “Almost an Englishman”: Carretta’s Equiano: https://bit.ly/3o6ermu

O. S. Ogede, (1991). “‘The Igbo Roots of Olaudah Equiano’ by Catherine Acholonu” Archived 23 June 2016 at the Wayback Machine, Africa: Journal of the International African Institute, 61(1)

Olaudah Equiano (1745 – 1797): https://to.pbs.org/35dDLyf

Onyeoziri, Friday (2008). “Olaudah Equiano: Facts about his People and Place of Birth,” Human Architecture: Journal of the Sociology of Self-Knowledge, 6(4).

Paul E. Lovejoy.(2006). “Autobiography and Memory: Gustavus Vassa, alias Olaudah Equiano, the African”, Slavery and Abolition 27(3), 317–347.

 The Life of Olaudah Equiano, second edition: https://bit.ly/3dCVUta

Leave a comment