الثقافة الإفريقية بين الأخذ والعطاء

آدم بمبا

آدم بمبا

إنَّ الحديث عن الثَّقافة الإفريقيَّة، مثل غيرها من الثَّقافات الأخرى، يستلزم تحرير القول في مقدِّماتٍ نظريَّة، مثل مفهوم الثَّقافة نفسها ومحدِّداتها. لكنَّنا نستأنس هنا بما ذهب إليه الباحث بيدنْغْتون عن الثَّقافة بوصفها: “مجمل المكتسبات الماديَّة والمعرفيَّة لمجتمعٍ مَّا، تشبع حاجاته البيولوجيَّة، وتمكِّنُه من الاندماج ببيئته”.[1] وهو تعريفٌ على الرُّغم ممَّا نستحسنه فيه من تركيزٍ، يشفي ولا يُجدي! ذلك أنَّ ما يتصوَّره مجتمعٌ مَّا مكتسباتٍ ومحدِّداتٍ خاصَّة بها، مميِّزة لثقافتها، قد تكون لها أصولٌ في ثقافاتٍ أجنبيَّة، أو أنَّها موجودةٌ بصورة أو بأخرى في ثقافاتٍ أخرى.

بعد ذلك، نخلُص إلى إشكالٍ آخر يتعلَّق بالثَّقافة الإفريقيَّة: أهي ثقافة موحَّدة أم ثقافات؟ وهنا يحتدم الخلاف بين الباحثين؛ حيث يجزم بعضُهُم أنَّ إفريقيا هي ذات ثقافة موحَّدةٍ، ويرى آخرون خلاف ذلك.

على سبيل المثال، نلحظ الرَّأي الأول في استخدام (Culture) بالإفراد، في السِّلسلة التي وضعتها دار نشر (Greenwood) عن الدُّول الإفريقيَّة؛ بعنوان: “Culture and Customs of Africa”؛ حيث أفردت لكلِّ دولةٍ إفريقيَّة حديثة كتابًا بالعنوان المذكور مع ذكر اسم الدَّولة،[2] ومثله في عنوان الموسوعة الثَّقافيَّة الشَّهيرة التي حرَّرها باجْ([3]). والقول بالوحدة الثَّقافيَّة الإفريقيَّة أكثر بروزًا وتأكيدًا لدى الباحثين والمفكِّرين دعاة البانافريكانيزْم (Panafricanism)، أمثال: Guy Hunter (1963), Z. Ademuwagun (1963), Cheikh Anta Diop (1962), (P. Bohannan (1971), E. O. Ayisi (1972) etc, .

ونجد التَّأكيد على هذا الاستخدام من لدُن المؤرِّخ الأنثروبولوجي، عالم المصريَّات شيخ أنتا ديوب، خاصَّة في كتابه الذي يحمل هذا المعنى، “الوحدة الثَّقافيَّة بإفريقيا”.[4] وفيه صرَّح بقوله:

“لقد حاولتُ أن أكشف عن الوحدة الثَّقافيَّة العميقة التي ما زالت حيَّة تحت مَظْهر الاختلاف المضلِّل”.[5]

– شيخ أنتا ديوب

وهو بذلك يختار موقفًا أكثر رفضًا؛ بنفيه حتى القول بالتَّنوُّع، ويعضدُه الباحث الاجتماعي دافيد دالْبي (David Dalby)، الذي صرَّح بقوله إنَّه..

“لا يمكن الحديث إلا عن إفريقيا واحدة، وعليه، ينبغي على يونسكو أن تُعامِل إفريقيا بوصفها كتلةً (ثقافيَّة) واحدة في برامجها الثَّقافيَّة”([6]).

– دافيد دالْبي

بالمقابل، نجد باحثين ممَّن يذهبون إلى ردِّ القول بالوحدة الثَّقافيَّة بإفريقيا، ويستخدمون الجمع (Cultures) تعبيرًا عن هذا التَّنوُّع والتَّعدُّد. من أولئك: Murdock 1959, C. M. Turbull 1962, G. Hunter 1963, J. Middleton 1970, etc..

أما الباحث تويينْ فالولا (Toyin Falola)، فيذهب إلى استحسان الجمع، ويرى أنَّ هذا التَّعبير أدقُّ في الدِّلالة على التَّنوُّع الموجود بإفريقيا التي بها أكثر من 800 ثقافة ولغة. لكنَّ فالولا يذهب إلى التَّحذير من الإفراط في هذا الاستخدام؛ لأنَّه قد يوحي بمفهومٍ مضلِّل، “may convey a misleading nottion“([7]). فسكان المرتفعات الجبليَّة، وسكان الغابات، والصَّحارى، والسافانا، والقاطنون على ضفاف الأنهُر والمستنقعات، لا بدَّ أن تتبايَن طُرق حياتها وخبراتها؛ تبعًا للاختلاف البيئيِّ بينها([8]). وطبقًا لهذا الاعتبار يذهب الباحث فورتيس (Meyer Fortes) إلى ردِّ القول بالتَّوحُّد بين الثَّقافات الإفريقيَّة، ويمثِّل لذلك بمجموعة خونْغْ (!Khung)، أو من كان يُطلق عليهم اعتباطًا “بوشْمنْ” في صحارى كلاهاري، وهم من الرُّعاة الرُّحَّل، فلا وجه للمقارنة بين أولئك –عند فورتيسْ- وبين المجموعات.. “الأكثر تنظيمًا، الأكثر غنًى، الأكثر تعقيدًا سياسيًّا واجتماعيًّا وعسكريًّا في ممالك غرب إفريقيا” ([9]).

بين هؤلاء وأولئك، يعمد باحثون إلى التَّوفيق بين الموقِفَين باستخدام الجمع (cultures)، ثم يحدِّدون ويخصِّصون باستخدام “Cultural Areas“؛ للإشارة إلى بعض الخصوصيَّات الثَّقافيَّة بين مجموعاتٍ إثنيَّة معيَّنة، فيقولون مثلاً: منطقة يوربا الثَّقافيَّة، منطقة السواحلي، منطقة فولاني…. وهو ما ذهبت إليه ندوة أكرا (1980م)؛ إذ توصَّل المنتدون إلى أنَّ هناك “ثقافة إفريقيَّة موحَّدة”، قبل أن تكون هناك مناطق ثقافيَّة (Cultural Areas).[10] هذا، وقد آثر آخرون استخدام الصِّيغتَين: المفرد والجمع، أمثال الباحث دانْ فولاني،[11] والباحث إيداوْ([12]) والفيلسوف امْبِيتي([13]), والباحث بولاجي([14]). للإشارة إلى الثَّقافة والأديان الإفريقيَّة.

على كلٍّ، فإنَّ استخدام المفرد لا يعني التَّأكيد الجازم بأنَّ المجموعات الإثنيَّة هي ذات وحدة ثقافيَّة على امتداد القارَّة، وإنَّما يشير إلى القواسم المشتركة الموجودة بين تلك الثَّقافات، والعكس بالعكس؛ إذ إنَّ الجمع لا يعني وضع فواصل قاطعة بين الثَّقافات الإفريقيَّة.

العلاقة بين الثقافات الإفريقية

بناءً على ما تقدَّم من استعراضٍ لمواقف الباحثين حول التَّوحُّد والتَّنوُّع في الثَّقافة الإفريقيَّة، فإنَّ البحث عن ظواهر مشتركةٍ بين المجتمعات الإفريقيَّة، يفضي إلى قائمةٍ مطوَّلة من المشتركات الثَّقافيَّة، وتكيفينا هنا إلمحاتٌ عارضة في جوانب ثقافيَّة ماديَّة.

أ_ اللُّغات الإفريقيَّة: بصرف النَّظر عن انتماء اللُّغات الإفريقيَّة إلى أسرة متقاربة، فإنَّ الشَّبه الكبير بينها يمثِّل ظاهرة واضحة. هذا على الرُّغم من كثرة تلك اللُّغات وبلوغها أكثر من (2000) لغة، بنسبة (30%) من لغات العالم([15]). كما أنَّ كثيرًا من تلك اللُّغات تُصنَّف بوصفها “لغاتٍ عابرة للحدود” أي أنَّها لغاتٌ يُتحدَّث بها في مناطق ودولٍ عدَّة، مثل لغة: هوسا، وفُلفدي، ومادينغ (في غرب إفريقيا)، ولغة لينْغالا، وبيتي فانْغ (Beti-Fang)، (في وسط إفريقيا)، ولغة شيشْوَا، وسيشْوانا (Sishewa, Setswana) (في الجنوب الإفريقي)، والسَّواحيلية (في الشرق الإفريقي)، ويشير الباحث إيبونوس في هذا المقام إلى وجود حوالي (45) لغة مشتركة بين نيجيريا وبين جاراتها([16]). إذنْ، بوجود هذا الاشتراك اللُّغوي في الاستعمال والتَّداوُل، فإنَّنا نتوقَّع وجود مشتركاتٍ ثقافيَّة وفكريَّة تحملها تلك اللُّغات لمتحدِّثيها وإن تباعدت مواطنهم بوصف اللُّغة وعاءً للفكر والثَّقافة.

ب_ الأدب والفنّ: يوجد تشابُه وتماثُلٌ كبيرٌ بين آداب الشُّعوب الإفريقيَّة الشِّفاهيَّة منها والمكتوبة، وكذلك في الفنون الأدائيَّة الأخرى من تمثيل، ونحتٍ وزخرفة وغيرها؛ لذلك، فإنَّ قضيَّة التَّوحُّد والتَّنوُّع التي تمَّت مناقشتها في الفقرات الأولى من هذه الورقة قد ظهرت بقرونها في الحقل الأدبيِّ: فهل نطلق “أدب أفريقي” بالمفرد أم بالجمع “آداب” (African Literature (s)) ؟ فالذين اختاروا الجمع تعلَّلوا بتبايُن اللُّغات الإفريقيَّة وبتعدُّد صُور الإبداع الشِّفاهيَّة والمكتوبة؛ لكنْ ردَّ عليهم ممَّن اختاروا الإفراد بأنَّ العلاقة بين تبايُن لغات الشُّعوب الإفريقيَّة لا تأثير له يُذكر على ثقافاتها، وقد كشفت الدِّراسات النَّقديَّة المقارنة عن أوجُهٍ شبَهٍ جليَّة بين ملحمة صونجاتا وبين نظيرتها شاكا زولو البطل القوميّ لمجموعات زولو جنوبيَّ القارَّة على الرُّغم من أنَّ كلاًّ من الملحمَتَين قد نشأت في مجموعَتَين منعزلَتَين تمامًا([17]). النَّتيجة هنا، أنَّ العلاقة بين آداب القارَّة علاقةٌ لا تخطئها العينُ، وهي علاقة ترتقي في معظم الأحيان إلى درجة التَّماثُل.

ج_ الرِّياضيَّات ونظام العدِّ والحساب: تتجلَّى علاقة الثَّقافات الإفريقيَّة بعضها ببعض، في وحدة نظام العدِّ والحساب في جميعها تقريبًا، فمن المشتركات في معظم لغات إفريقيا التَّشابُه اللَّفظي بين الأرقام (2، 3، 4، 5)؛ إذ هي عادةً تتألَّف من صوت “di” و “li“، ورقم (3) يحتوي عادةً على صوت “sa/ta“، و(4) يحتوي على الصَّوت الأنفي “n“. كذلك، فإنَّ الإشارة إلى الأعداد (6-9) في معظم اللُّغات الإفريقيَّة، تكون بإضافة (1) إلى العدد خمسة، وهكذا. وتبدأ الإضافة عند بعض الإثنيَّات من العدد (6) كما الحال لدى سانغو (Sango) شماليَّ كونغو([18]):  ويضيق المقام لعرض نظام العدِّ المعقَّد هنا([19]).

العلاقة بين الثَّقافة الإفريقيَّة والثَّقافات الأخرى

لقد اصطبغت العلاقة بين الثَّقافة الإفريقيَّة وبين الثَّقافات العالميَّة بصبغة الأخذ والعطاء النَّشط في ظروف التَّلاقي الطَّبيعيِّ لتلك الثَّقافات، وحتى في الظُّروف الاستثنائيَّة، وفي الفقرات الآتية استعراضٌ عاجلٌ لبعض صُوَر هذا العطاء الثَّقافي في الأمريكَتَين وآسيا.

أوَّلا: في الأمريكَتَين

تتبدَّى العلاقات الثَّقافيَّة بين إفريقيا ومنطقة أمريكا الجنوبيَّة خاصَّة، في احتواء تلك المنطقة لأكبر تواجُدٍ إفريقيٍّ خارج القارة؛ وذلك للأسباب التَّاريخيَّة المعروفة التي أفرزت عنها تجارة الرَّقيق. فالأفارقة أكثريَّةٌ في بربادوسْ، وهايتي، وجامايْكا، وترينيدادْ وتوباغو، ودوَلٍ أخرى ذات علاقات مصاهرة عالية بين الأفارقة وغيرهم كما في كوبا، والبرازيل.. إنَّ هذا التَّواجد الإفريقيَّ المكثَّف في تلك المناطق قد أفرز عن عمليَّة تثاقُف واسعة النِّطاق شملت جميع المظاهر الثَّقافيَّة.

أ- موسيقى وغناء: إنَّ أجلى مظهرٍ من مظاهر التَّثاقُف بين إفريقيا ومجتمعات غرب الأطلسيِّ هو فنُّ الموسيقى، فهناك الكثير من الأنواع الموسيقيَّة تعود أصولها إلى إفريقيا، مثل موسيقى (Abakua) الكوبيَّة، والجاز (Jazz) و(Blues)، وسامْبا البرازيليَّة، و(Juba) و(Akimbo) وغيرها من الفنون الشَّعبيَّة الوافدة من إفريقيا إلى بلاد الأمريكَتَين، وقد أصبحت تلك الفنون ملامح مميِّزة لثقافات تلك الشُّعوب.

بالإضافة إلى ذلك، تأتي مظاهر أخرى مثل: الطب الشَّعبي، والأطعمة، والأزياء والعادات الاجتماعيَّة وغيرها. ومن الأزياء الرَّائجة أقمشة (Kente) المطرَّزة لمجموعات أشانتي بغانا الحاليَّة، وهي ذات أبعادٍ ثقافيَّة، حاملة لغة ومضامين خاصَّة، ولها حضورٌ في مجتمعات الأمريكَتَين([20]). وفي الكتاب الذي حرَّره الباحث جوزيف هولوي استقصاءٌ للكثير من تلك المظاهر الثَّقافيَّة المقترضة من إفريقيا إلى أمريكا: في التَّاريخ، واللغة والفن، والدين، والزِّراعة وغيرها([21]).

ب _ المعتقدات الدِّينيَّة: هناك الكثير من المعتقدات والممارسات الدِّينيَّة بدول الكاريبي التي وفدت من إفريقيا. بل إن الكثير من تلك المظاهر الدِّينيَّة ما زالت محتفظة بالطُّقوس والملامح الإفريقيَّة في لغاتها وطرق عباداتها. من ذلك: ديانة فودو (Voodoo)، التي ترى الباحثة جيسي غاستونْ أنَّها قد انتُزعَتْ من داهومي وزُرعت كاملة بولاية (New Orleans) الأمريكيَّة بطقوسها السِّحريَّة، ورموزها، وأغانيها ورقصاتها([22]). ومنها ديانة (Sasabonsan)، وهي ديانةٌ أشانْتيَّة وفدت إلى جامايْكا، وأخضعت لبعض التَّحوير؛ لتصبح ديانةً أرواحيَّة، ومن ثمَّ أدمِجَتْ طقوسها في المسيحيَّة المعمدانيَّة الحرَّة على يد الأب (Bedward, 1894). ومنها ديانة (Orisa) لمجموعات يوربا بنيجيريا، وديانة (Macumba) البرازيليَّة، وهي مزيجٌ من المعتقدات والطُّقوس الإفريقيَّة القديمة بالطُّقوس الكاثوليكيَّة([23]).

وقبل كلِّ ذلك، فإنَّ الحضور الإفريقيَّ ببلاد الأمريكَتَين حضورٌ سابق –في الأرجح- على ظرف تجارة الرَّقيق، دلَّت على ذلك دراساتٌ أثريَّة كثيرة، ووُجِدت آثار كثيرة تؤكِّد وجود أفارقة من مالي تحديدًا بالسَّواحل  الكاريبيَّة؛ إذ توجد بعض المناطق بأسماء من مالي، كما أنَّ بها مواقع أثريَّة وجد بها علماء الآثار نقوشًا تصوِّر أفارقة لابسين جبَّة وعمامة، وأدوات من النُّحاس في القرن الرابع عشر من مالي، ومن المناطق المعروفة “سيرا دي مالي”، و”مادينغا بايْ”([24]). ويُظنُّ أنَّ أولئك الأفارقة هم من المجموعات التي رافقت ملك مالي مانْسا أبي بكر الثاني في رحلته المغامِرَة عبر المحيط الأطلسي (1311م) ([25]), وكان ذلك قبل اكتشاف كولومبوس لما أسماه بالعالم الجديد (1492م)، وهو ما أكَّد عليه الباحث سيرتيما في عنوان كتابه الشَّهير([26]).

ج_ اللُّغة: يظهر التَّلاقح بين اللُّغات الإفريقيَّة ولغات أمريكا في كثرة الاقتراض. على سبيل المثال، تفيد الدراسات أن الأفارقة في دول الكاريبي قد أحدثوا تأثيرًا كبيرًا في اللغة البرتغالية والإسبانية في تلك البلاد، وفي معجم “بورقي” وصل تعداد المفردات في البرتغالية البرازيليَّة إلى (2500) كلمة مقترضة من لغات يوربا، وإيبو، وفولاني، وماندينغ و(Ewe, Twi)، وتشمل مفردات في أسماء الآلات والأدوات المنزلية، والاجتماعية، والتعبيرات اليومية([27]). هذا، ومن طريق البرتغاليَّة والإسبانيَّة دخلت مفردات إفريقيَّة كثيرة إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية واللغات الأوربية، ومن أشهر الباحثين في هذا المجال، العالم اللغوي الأمريكي (Lorenzo Turner, d.1972 )، والألسني الإنجليزي (David Dalby)([28]).

ثانيًا: في آسيا

تُعدُّ العلاقات الثَّقافيَّة بين إفريقيا وآسيا الأقصى أقدَمَ العلاقات وأعمقَها جذورًا؛ بوجود تجارةٍ نشطة عبر المحيط الهندي والهادي، وبهذا الصَّدد تفيد المصدريَّات التَّاريخيَّة بوجود “عبيد” أفارقة في الموانئ الصِّينيَّة منذ عهد ملوك سونغ (Sung Dynasty, 976 A.D.)، ويُطلق عليهم “K’un lun” أي: سود الجلود. وهذا التَّواجد الإفريقيُّ مسجَّلٌ أيضًا في مناطق مختلفة بآسيا.

نتيجةً لذلك، فإنَّ مجموعاتٍ إفريقيَّة بآسيا ما زالت مميَّزة بقسماتها الجسديَّة وبتمايُزاتها الثّقافيَّة التي تُعدُّ جزءًا لا يتجزَّأ من ثقافات المجتمعات الآسيويَّة.

على سبيل المثال، توجد بجزر (Ari Atoll, Feridu) بالمالديف مجموعاتٌ إفريقيَّةٌ يُطلق عليها بابورُو (baburu)، وفد معظمُها من بلاد شرق إفريقيا ومن عُمَّان. ومن الرَّقصات الشَّعبيَّة المالديفيَّة “bodu-beru” أي: الطَّبلة الكبيرة، ويُطلق على الأغاني المصاحبة لهذه الرَّقصة “baburu lava” أي: أغاني الزُّنوج، وتُعدُّ من أكثر الأغاني والرَّقصات الشَّعبيَّة رواجًا بمالديف ([29]).

كذلك، في الهند يوجد أفارقة في مناطق (Gujarat, Kamataka, Maharashta, Goa)، وغيرها. وكذلك في السِّيلان (Srilanka)، تُعرف المجموعات الإفريقيَّة بأسماء عدَّة منها: “coffers/kafra/kaffirs/habshi“، التي وفدت إلى تلك المناطق منذ الرُّبع الأخير من القرن السَّابع عشر، ففي غضون عام (1724م)، وُجد الكثير من الجنود الأفارقة حرَّاسًا بقصور ملوك الدَّولة الأصفيَّة بحيدر آباد، وكان يُطلق عليهم “شاويش” من التركية العثمانيَّة. أمَّا الفنون الشَّعبية التي يمارسها أولئك من رقصاتٍ وأغانٍ، فقد ذكرت الباحثة جياشوري منها: (Manhas) وأشارت إلى أنَّ لهذه الرَّقصة تأثيرًا مباشرًا في أغاني (Baila) الأكثر شعبيَّة في سريلانكا ما بعد الكولونياليَّة([30]).

هذا، وفي مذكّرات الحاكم الهولندي (Van Goens Junior) أنَّ أكثر من أربع آلاف زنجيًّا عملوا في بناء forteress بكولومْبو عام (1675-1680م)، وتلك دلالةٌ على كثرة أعدادهم منذ تلك الفترة، جاء بهم المستعمرون؛ للعمل في بناء الطُّرق وفي الجيش وفي الزِّراعة، وقد حدثت عمليَّة تصاهُر بين أولك وبين السُّكان المحليِّين، نتجت عنها مجموعةٌ تُعرف الآن بـ(Afro-Sri Lankans)([31]). أيضًا، فإنَّ للمجموعات الإفريقيَّة حضورًا قديمًا بباكستان بمنطقة بلوشستان والسند، وتُعرف بـ(Seedee, Sheedi, Makrani, Gulam, Zangibari) من: “سيد” العربيَّة، وقد توغَّل في تلك المناطق منذ عهد السُّلطان سيد سعيد (ت1856م)، وكانت سواحل الباكستان وإيران الحاليًّة آنذاك جزءًا من مملكة عُمان، ولأولئك إسهامٌ ثقافيٌّ في مجال الملاحة والصَّيد البحري بسواحل باكستان، ولهم كذلك رقصاتٌ وفنون شعبيَّة معروفة.

أمَّا في جنوب شرق آسيا، فإنَّ أكثر تواجدٍ للأفارقة بإندونيسيا، ويُعرفون بـ”Orang Belanda Hitam” أي: الهولنديُّون السُّود؛ ذلك لمجيئهم مع الجيش الاستعماريِّ الهولندي. وقد تزوَّج الكثير من أولئك من نساء إندونيسيَّات. والثَّقافة الإفريقيَّة الآسيويَّة واضحة المعالم بجزيرة مدغشقر خاصَّة.

الثَّقافة الإفريقيَّة والأخذ من الثَّقافات الأخرى

على الرُّغم من القول إنَّ إفريقيا هي مهد الحضارات الإنسانيَّة، فإنّها قد أخذت الكثير –ولا تزال- من الثَّقافات الأخرى في جميع مظاهر الحضارة. ففي المجال اللُّغويِّ، تكفينا الإشارة إلى اقتراض اللُّغات الإفريقيَّة من غيرها: العربيَّة مثلا، التي أثَّرت تأثيرًا واضحا في مفردات لغات: السواحليَّة، وهوسا، ومادينغ وكانوري وصونغاي، وسوننكي، وفولاني([32]) ودن ذلك في لغة داغُومْبا بشمال غانا([33]), مُوريهْ (Mossi)، في بوركينافاسو([34]), وغيرها([35]) وهو تأثيرٌ وصفه الباحث سلاوُو بـ”طوفان” من المفردات، (flood of words).[36] وهو تأثيرٌ غير طبيعيٍّ في حال اللُّغات الاستعماريَّة والإنجليزيَّة خاصَّة التي توصف بـ”لغات قاتلة” (Glottophagous, Killer Languages).[37]

         وفي مجال الأزياء تأثيرٌ متعدِّد المصادر في إفريقيا، ومن صُوَر ذلك تطوُّر فنِّ الزَّركشة والتَّطريز والتَّلوين ببلاد هوسا مثلاً، وجيرانهم بمملكة يوربا ونُوبي (Nupe)، وهم يصنعون أقمشة تظهر عليها آثارٌ إسلاميَّة واضحة في رسم الخطوط الهندسيَّة يُطلق عليها الآن “أرابيسْكْ”، والنَّجمات([38]). كذلك تُشتَهر مالي بمطرَّزات “طِلْبِي” (tilbi/tirbiوهو نوعٌ من التَّطريز في الجلابيب نشأ وتطوَّر بمدينة تمبكتو وجيني.

وفي الطِّب الشَّعبيِّ مثلا، نجد تأثيرًا واضحا للإسلام، وثقافات الشَّرق في الطِّب الإفريقيِّ. ففي مجتمع هَوْسا مثلاً ما يُعرف بـ: “أونْوانْزاني”، والتَّأثير الإسلاميُّ فيه أظهرُ، ومنه “بوري” الإسلامي([39]) وبمنطقة السِّنغال نجد أنَّ.. “معظم صُور الطِّب الإثني، مستقاةٌ أساسًا من العقيدة الإسلاميَّة”. ومثل ذلك مسجَّل بين مجتمعات مادينغ، وفولاني، والسواحلي، وقد اشتهر بين السواحلي مجموعات زرامو (Zaramo)، بتنزانيا([40]) ذكر الباحث سوانْتز أنَّ حوالي (98%) من الأطباء الشَّعبيِّين بين زرامو هم شيوخٌ مسلمون([41]).

بالمثل، نجد في المجال المعماريِّ تأثيرًا واضحًا، وفيه ما يُعرف بالطِّراز الأفرو-البرازيليُّ الذي ظهر على أيدي “العبيد” المحرَّرين العائدين من باهيا (Salvador) في البرازيل، ومن أشهَرِ المساجد ذات الطِّراز الأفرو-البرازيلي: المسجد الجامع بمدينة بورتو-نوفو (1912م)، والمسجد الجامع بمدينة (Abeokuta) النيجيريَّة، ومسجد آبومي (Abomey)، والمسجد الجامع بمدينة (Modakeke) النِّيجيريَّة، علمًّا أنَّ هذا الطِّراز لا يختصُّ بدور العبادة فحسب.


[1] Piddington, Introduction ot Social Anthropology, (London: Oliver & Boyd, 1950), p.3.

[2]  يبدو أن السِّلسلة قد شملت جميع بلدان إفريقيا الحديثة، والعناوين الداخليَّة في كل كتاب متماثلة، وهي: الدين ورؤيا العالم، والأدب والإعلام، والفن والعمارة، والطبخ والأزياء، والأسرة والزواج وأدوار الجنْدر، والعادات الاجتماعيَّة، والموسيقى، والرقض، والفن التَّمثيلي.

[3] Encyclopedia of , Willie F. Page, Facts on File, 2001, (5 volumes).

[4] Cheikh Anta Diop, L’unite Culturelle de l’Afrique noire: Domaines du patriarcat et du matriarcat dans l’antiquité classique, (Paris: Presence Africaine, 2e éd. 1982).

[5] Anta Diop, the cultural unity of negro, 7.

[6] Benjamin Nimer, Distinctive Characteristics and Common Features of African Cultures, The International Journal of African Historical Studies, Vol. 22, No. 1 (1989), 145-147, (18).

[7] Falola, Toyin. The Power of African Cultures, (University Rochester Press, 2008), 3.

[8] Victor B. Kapela. Dialectics of Praxis and Theoria in African Philosophy: An Essay on Cultural Hermeneutics, (African Books Collective, 2011), 27.

[9] Meyer Fortes. Introduction, in: Eric O. Ayisi. An Introduction to the Study of African Culture, (East African Publishers, 1992), ix.

[10] Benjamin Nimer, Distinctive Characteristics, Op. Cit. 18.

[11] Dan Fulani. “African Religion in Scholarship: A Critique” in: Adogame et al. Religion in the context of African migration, 9, 23, 25.

[12] E. B. Idowu. African Tradional Religion: A Definition, London: SCM Press, 1973, xi.

[13] John, S. Mbiti. An Introduction to African Religion, (Heinemann, 1990). Also: African Religions and Philosophy.

[14] E. Bolaji, “The Study of Religion with Special reference to African Traditional Religion”, ORITA, I, (1), 1967: 1.

[15] Heine and Nurse (ed). African Languages: An Introduction, (Cambridge Unv. Press, 2002), 1.

[16] Simpson, Andrew. Language and National Identity in Africa, (Oxford University Press, 2008), 172-198.

[17] Researches in African Literatures, Vol.35, AFRICAN AND AFRO-AMERICAN STUDIES, University of Texas, 2004, 178.

[18] Huylebrouk, Dirk. 138.

[19] Zaslavsky, Claudia. Af. Counts.

[20] Joanne B. Eicher & Sandra Lee Evenson. The Visible Self: Global Perspectives on Dress, Culture and Society, (Bloomsbury Publishing USA, 4th ed., 2014), 185.

[21] Joseph E. Holloway. The power Africanisms in American Culture, (Indiana University Press, 2005). (436 pages)

[22] Falola, The Power of African Culture, Op. Cit., 283.

[23] Larry A. Nichols, George Mather, Alvin J. Schmidt (ed). Encyclopedic Dictionary of Cults, Sects, and World Religions: Revised Edition, (Zondervan, 2010).

[24] Rick Duncan. Man, know Thyself, (Xlibris Corporation, 2013), 173.

[25] Gaoussou Diawara, Abubakari II, Explorateur Mandingue.

[26] Sertima, Ivan Van. They Came Before Columbus: The African Presence in Ancient America, Random House Trade Paperbacks, 1976).

[27] John T. Schneider, Dictionary of borrowings in Brazilian Portuguese, (Buske Verlag, 1991).

[28] Geneva Smitherman. Talkin and Testifyin: The Language of Black America, (Wayne State University Press, 1977).

[29] Jayasuriya, Shihan de Silva. Identifying Africans in Asia: What’s in a Name?, African and Asian Studies, Vol.5 (3-4), Brill, 2006. 276-301.

[30] Jayasuriya, Shihan de Silva. African Migrants as Cultural brokers in South Asia, FRAS, Institute of Commonwealth Studies, University of London,  http://portal.unesco.org/culture/en/files/38505/

[31] Ibid., 283.

[32] R. D. Abubakre, “Survival of Arabic in Difficult Terrains”, University of Ilorin, 2002.

[33] Salifu, Nantogma Alhassan. « The Influence of Islam on the Culture and Language of the Dagomba of Northern Ghana”, Maghreb Review, Vol.37, No.3-4, 349.

[34] Gaston Canu, “Remarqes sur quelques emprunts lexicaux en More”, The Journal of West African Language, Vol.5, No.1.

[35] Sergio Baldi. Dictionnaire des emprunts arabes dans les langues de l’Afrique de l’Ouest et en Swahili, (Paris : Karthala, 2008), 662p.

[36] Adewuni Salawu. “The Spread of Revealed Religions in West Africa and Its implications for the Development of Translation”, Journal of Translation, Vol.3, No.2, 2007, 30.

[37] Cecile B. Vigouroux, Salikoko S. Mufwene. Globalization and Language Vitality : Perspectives from Africa, 171.

[38] Colleen E. Kriger, Cloth in West African History, 69.

[39] Abdalla, Ismail Husein. (1981), Islamic Medicine and Its Influence on Traditional Hausa, 101.

[40] Lloyd, w. Swantz. The Medicine man among the Zaramo people, 39.

[41] Lloyd, w. Swantz. The Medicine man among the Zaramo people, 166 (footnote).

Leave a comment